عبد الوهاب الشعراني
254
تنبيه المغترين
وفي الحديث [ جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش فإن الأجر في ذلك كأجر المجاهد في سبيل اللّه ] ، وفي الحديث [ لا تميتوا القلب بالطعام والشراب فإن القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء ] ، في الحديث أيضا [ أذيبوا طعامكم بذكر اللّه ] وفي رواية [ والصلاة ولا تناموا عليه ] يعني من غير ذكر فتقسو قلوبكم ، وفي الحديث [ شرار أمتي الذين يأكلون مخ الحنطة ] . وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يقول : إياكم والبطنة فإنها ثقل في الحياة ونتن في الممات ، وكان شقيق البلخي رحمه اللّه تعالى يقول : آلة العبادة الجوع فإن المعدة إذا امتلأت قعدت الأعضاء عن العبادة ، وكان فتح الموصلي رحمه اللّه إذا اشتد به المرض والجوع يفرح بذلك ويكثر من الشكر ، وكان مالك بن دينار رحمه اللّه تعالى يقول : قلت لمحمد بن واسع رحمه اللّه طوبى لمن كان له قوت يغنيه عن الناس ، فقال لي : طوبى لمن أصبح جائعا وأمسى جائعا وهو راض عن ربه عز وجل ثم أخرج خبزا يابسا فبله بالماء وأكله بالملح وقال : من رضى من الدنيا بهذا فلا يحتاج إلى الناس ا ه ، فاعلم ذلك يا أخي واقتد بسلفك الصالح ، والحمد للّه رب العالمين . كثرة الحزن ( ومن أخلاقهم رضي اللّه تعالى عنهم ) : كثرة الحزن على تفريطهم في جنب اللّه لا سيما عند رؤيتهم القبور وتذكرهم أهوال يوم القيامة وخوفهم من الفتنة ما داموا في هذه الدار ، وفي الحديث [ لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول ليتني كنت مكان صاحب هذا القبر ] ا ه ، فخاف القوم أن يدركوا ذلك الزمان فلا يصح لهم فيه صبر ويقع منهم سخط فيهلكوا ، قال : ولما رأى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبر أمه بكى ، فقيل له في ذلك فقال : أخذني ما يأخذ الولد من الرقة ، وكان صلى اللّه عليه وسلم قد استأذن ربه أن يستغفر لها فلم يأذن له . ( قلت ) قد نقل الحافظ السيوطي رحمه اللّه تعالى وغيره عن الحفاظ إحياء أبوي النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى آمنا به ثم رجعا إلى القبر ، وكان أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه إذا مر بقبر بكى حتى يبل لحيته ، وقد مر عمرو بن العاص رضي اللّه عنه يوما على مقبرة فنزل وصلى ركعتين قريبا من القبور فسل عن ذلك فقال : إني رأيتهم قد حيل بينهم وبين الصلاة فأحببت أن أتقرب بينهم بركعتين استغناما للعمر . وقد كان مجاهد رحمه اللّه تعالى يقول : أول من يكلم الميت حفرته فتقول له : أنا بيت الغربة أنا بيت الظلمة أنا بيت الدود هذا ما أعددته لك فأين ما أعددت لي ، وقد كان